يروى أنه كان في أحد القرى معّاز (من يرعى الماعز) مات عن زوجة وثلاثة أبناء، فاختلف هؤلاء على اقتسام الإرث، فحكّموا بينهم واحداً من شيوخ القرية اشتهر بسداد رأيه، فقال لهم ما هي التركة ؟ فقالوا: بيت وقطيع من الماعز وعصا وجراب (كيس يضع فيه المعّاز احتياجاته) وثلاثة كلاب. فقال الشيخ: أتقطعوا لي وعداً بأن تلتزموا بقسمتي ؟ فقالوا: لك عهدنا ووعدنا . فقال: البيت للأم، والعصا للابن الأكبر، والجراب للابن الأوسط، وقطيع الماعز للابن الأصغر، ولكل ابن كلب . فنهض الابن الأصغر حالاً وأخرج قطيع الماعز مع أحد الكلاب إلى حيث ظن أن أخوته لن يرياه في ما بعد . ثم قال الابن الأكبر: ما دام لم يبق لي هنا ما أعتاش به فسأذهب إلى مكان آخر في طلب الرزق، وحمل عصاه ونادى كلبه ومضى . وقام الأوسط فعلق الجراب على كتفه ونادى كلبه ومضى في سبيله أيضاً . فقالت الأم في سرها : وأنا سأذهب كذلك في طلب الرزق ، فلم يبق لي ما أعتاش به ، وأوصدت باب بيتها وتوجهت إلى قرية مجاورة . فمرت بحقل يحصد الفلاحون فيه القمح ، فطلبت عملاً ، فقال لها رب العمل: اشتغلي معنا في جمع أغمار القمح ونعطيك من كل غمر شميلة (رزمة) لك ، والمثل يقول: "شميلة عا شميلة بتشبع العيلة". فتنهّدت وقالت له: أنا إمرأة مقطوعة لا عائلة لي، فقال الرجل : لكن آباءنا يقولون: "اللي بيحسن فعالو كل الناس عيالو". وبعد عمل عشرة أيام ، جمعت المرأة أجرتها من القمح وحملتها إلى المطحنة ، فطحنتها ثم توجهت بالطحين إلى بيتها قائلة: أتفقد بيتي وأتسقط أخبار أبنائي . وعندما وصلت إلى بيتها فوجئت بوجود الكلاب الثلاثة ترقد أمام البيت ، وقد أعياها الجوع والعطش ، لكنها ما إن أحست بمجيء المرأة حتى هبّت ترحب بها وترقص حولها وتلوح بأذنابها . فبكت المرأة بكاءً مراً وقالت : أيمكن أن تكون هذه الكلاب أكثر وفاءً من أولادي الثلاثة ؟! فأخذت المرأة من الطحين وعجنته ووضعت بعضاً منه أمام الكلاب، وقالت: هؤلاء هم عيالي ، لن أبرح بيتي بعد اليوم ، ولن أترك الكلاب حتى ينفذ ما عندي من الطحين . وقبل أن تغيب الشمس إذا بولدها الأكبر قد أقبل وقبل يد والدته وطلب رضاها ، وقال سافرت في طلب الرزق وانتهيت إلى مسجد، فكان الشيخ يتحدث عن الإسكندر المقدوني عندما حاصر أحد المدن سمح للأهالي بالخروج من أبواب المدينة ، وأن يحمل كل شخص منهم ما استطاع من الأشياء الثمينة عنده ، وإذا برجل يخرج حاملاً أمه العجوز المريضة على ظهره ، فسأله الإسكندر عن هذا ، فقال : لم أجد شيئاً أثمن من أمي العجوز . فأضاف الابن الأكبر عندما سمعت هذا ، ندمت على ما بدر مني ورجعت للعيش بقربك . ولم يكمل كلامه حتى دخل الابن الأوسط ، فقبل يد أمه وطلب رضاها ، وقال : خرجت في طلب الرزق فأعياني الجوع ، فوجدت امرأة تبيع خبزاً ، فقلت لها : بكم الرغيف ؟ فقالت : بالحمد والثناء على الله ، فقلت لها : إذا هاتي عشرة أرغفة ، وهكذا كان . ثم مشيت وقلت : لا بد لي أن أعرف قصة هذه المرأة ، فرجعت وسألتها فقالت: إن أحد أولادها مريض، وقد نذرت أن توزع الخبز يومياً لوجه الله حتى يمنّ الله بالشفاء عليه . وأضاف الابن الأوسط ، فلما سمعت هذا تذكرت حنان الأم ، فلمت نفسي على ما فرّطت في حق أمي . ولما انتهى من قصته ، وصل الابن الأصغر ودخل وارتمى في أحضان أمه، وقال : مشيت بقطيع الماعز من مكان إلى مكان وفي الجبال والوديان ، فتركني الكلب في منتصف الطريق ، فأمسيت وحدي ، وإذا برجل شيخ يناديني قائلاً : كيف تتجرأ على المرور في هذا المكان بقطيع ماعز ليلاً ولا كلب معك ولا رفيق لوقت الضيق ؟ فقلت كان معي كلب فتركني ، وأخبرته بقصتي وكيف تركت أخوتي حتى لا يقاسمونني ما قسمه الله لي. فقال: يا سبحان الله ! الكلب استفقد ورجع يتفقد أمك وأخويك ، وأنت تتركهم غرباء ! فقلت له : انصحني . فقال يا بني إليك ثلاث نصائح : الأولى : أمك ولا يهمك . والثانية : أهلك ولا تهلك . والثالثة: إذا أنت توجعت ، تقول آخ ، فكيف ستقول آخ إذا ما عندك أخ ؟ قال الشاب : عندما سمعت نصائح الشيخ ، انتبهت وأدركت مبلغ حماقتي ، وعزمت راجعاً بقطيع الماعز لتكون لنا جميعاً ، ونعيش معاً ولا يفرق بيننا سوى الموت . فقامت المرأة وشكرت الله ، وباركت أبناءها، وقالت: ليذهب أحدكم الآن ويستدعي الشيخ الذي قسم لنا التركة فيما بيننا . وعندما حضر الشيخ سألوه عن سر تقسيمه التركة بهذه الطريقة ؟ فقال : العصا للابن الأكبر ليرعى أخويه ويكون مسموع الكلمة موفور الكرامة . والجراب للابن الأوسط ليتولى شؤون المنزل وتأمين احتياجاته ، وقطيع المعز للابن الأصغر بين الأخوة توجب عليه أن يرعى ومنه مدا خيل المنزل ، والبيت للأم حتى إذا تفرق الأبناء وبقيت الأم في البيت ، فلا بد أن يعودوا ويجتمعوا في ظل جناحيها ، لأن المثل يقول: "جناح الأم بيلم ّ". أسأل الله تعالى أن نكون ممن يبّرّ والديه في حياتهما وبعد مماتهما. مــمــ قـــرأت ـــا
أضف تعليقا
من المملكة العربية السعودية

وانا اسال الله لك التوفيق والسداد
وطول العمر لتكتب لنا ونقرا
تركي الساير
صدقتي ورب الكعبة جناح الا بيلم
قصة معبرة عن حنان الام ومدى اهميتها في
الحياة فهي تجمع ولا تفرق ..تسعد لسعادة ابناءها وتحزن لحزنهم وتمرض من مرضهم
اشكرك عزيزتي سمية
دمتي بالف خير
خالد
من فلسطين

قصه فيها الفائده والحكمه
ولكن ايضا هناك من الامهات
من تشتت الشمل وتزرع الحقد
وتدمر اسر كامله
وتهدم جيل الامه والامل القادم
والخلافه الاسلاميه قادمه
ان شاء الله تعالى
ولنعمل معا لسماء2018
من الأردن

الاخت الغالية سمية
اود ان اشكرك على هذه المقالة الجميلة وجميعنا نعلم كم افضال الام علينا كثيرة فهي التي تسهر عند مرضنا وتخفف علينا الهم والكرب وتحمينا وتدافع عنا فما احسن الخالق الذي ابدع في خلق الام
من لبنان

جارتي الكريمة... قصة فيها عبرة في تماسك الاسرة وتضامنها وتقسيم العمل على افرادها، وهي عبرة ايضا تصلح على مستوى المجتمعات والامم وما احوجنا اليوم وفي كل وقت لأن نستنير بحكمة الشيخ في قصتك اللطية الهادفة . وفقك الله على الدوام
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من لبنان
عزيزتي سمية
يالله على هذه المقالة وما تحمله من حكم وعبر وهل هنالك غير الام نلجأ اليها ونرمي بهمومنا على صدرها وهي تحملها وتخفف عنا بحنانها مع ان بكثير من الاوقات تكون هي من تحتاج لكلمة حنان تخفف عنها ما تحمله من اثقال السنين
بارك الله فيك عزيزتي سمية
وجزاك كل خير